أبي هلال العسكري

71

تصحيح الوجوه والنظائر

الأمر قد مضى القول في أصله . وهو في القرآن على سبعة عشر وجها : الأول : الدين ، قال اللّه تعالى : وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ [ سورة التوبة آية 48 ] . يعني : دينه ، وقوله تعالى : فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ [ سورة المؤمنون آية 53 ] . أي : الدين الذي جاء به نبيهم ، فنسبته إليهم ؛ لأنهم المتعبدون به والمندوبون إليه ، والمعنى : أن اللّه أعلمهم أن أمر الأمة واحد ، وأن دينه واحد وهو الإسلام وهم قد تقطعوا واختلفوا . الثاني : القول ، قال اللّه تعالى : إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ [ سورة الكهف آية 21 ] . قال : فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى [ سورة طه آية 62 ] . أي : يتنازعون القول فيما يريدون العمل عليه ؛ لأن مثل ذلك الأمر لا يتنازع وإنما يتنازع القول فيه . الثالث : وقت الوعيد ، قال : حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا [ سورة هود آية 40 ] . أي : حضر وقت وعيدنا ، ويجوز أن يكون على ظاهره أي : حتى جاء أمرنا بالعذاب ، أي : حتى أمرنا بتعذيبهم . الرابع : العذاب ، قال : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ [ سورة إبراهيم آية 22 ] . أي : وجب العذاب ، ويجوز أن يكون قضاء الأمر هاهنا فضل الحساب ووقوف كل فريق على ما له عند اللّه من الخير والشر . ومثله : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ « 1 » [ سورة مريم آية 39 ] . أي : وجب العذاب .

--> ( 1 ) قوله تعالى : وَأَنْذِرْهُمْ أي : خوّف كفّار مكة يَوْمَ الْحَسْرَةِ يعني : يوم القيامة يتحسّر المسئ إذ لم يحسن ، والمقصّر إذ لم يزدد من الخير . وموجبات الحسرة يوم القيامة كثيرة ، فمن ذلك ما روى أبو سعيد الخدري ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، قيل : يا أهل الجنة ، فيشرئبّون وينظرون ، وقيل : يا أهل النار فيشرئبّون وينظرون ، فيجاء بالموت كأنه كبش أملح ، فيقال لهم : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : هذا الموت ، فيذبح ، ثم يقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ؛ ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ -